السيد كمال الحيدري

230

اللباب في تفسير الكتاب

قلنا : إنّ الرحمة إن كانت من الصفات الذاتية التي هي عين الذات ، فالأمر كما قيل إنّها غير متناهية ؛ لعدم تناهى الذات المقدّسة ، إلّا أنّ الرحمة هي من الصفات الفعليّة لا الذاتيّة ، ومن الواضح أنّ الصفة الفعليّة لها حدّ تنتهى إليه ، من هنا نحتمل الصفة المقابلة لها . عن صفوان عن الكاهلي قال : « كتبت إلى الإمام أبى الحسن الرضا عليه السلام في دعاء : الحمد لله منتهى علمه ، فكتب إلىّ : لا تقولنّ منتهى علمه ، ولكن قُل : منتهى رضاه » « 1 » . هذا مضافاً إلى أنّ القرآن لا يخرج عن الأسلوب العربي البليغ في الحكاية عن صفات الله عزّ وجلّ التي تعلو عن مماثلة صفات المخلوقين . فلفظ « الرحمن » يدلّ على من تصدر عنه آثار الرحمة بالفعل وهى إفاضة النعم والإحسان ، ولفظ « الرحيم » يدلّ على منشأ هذه الرحمة والإحسان ، وعلى أنّها من الصفات الثابتة له تعالى ، وبهذا لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر ولا يكون الثاني مؤكّداً للأوّل . بعبارة أخرى : إذا وُصف الله جلّ ثناؤه ب « الرحمن » فإنّه يفهم منه أنّه المفيض للنِّعم فعلًا ، لكن لا يثبت أنّ الرحمة من الصفات الثابتة له دائماً ؛ لأنّ الفعل قد ينقطع إذا لم يكن عن صفة لازمة ثابتة وإن كان كثيراً ، فإذا أضيف إليه « الرحيم » يعلم أنّ لله صفة ثابتة هي الرحمة التي عنها يكون أثرها وإن كانت تلك الصفة على غير صفات المخلوقين ، فيكون ذكرها بعد « الرحمن » للتدليل على أنّ هذه الإنعامات دائميّة عامّة لعامّة العالم ، لأنّ منشأها صفة دائميّة ثابتة ، ومقتضى ثبوت العلّة ثبوت المعلول وبدوامها دوامه . وبهذا تتّضح نكتة الجمع بين هذين الاسمين الكريمين بهاتين الصيغتين .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : كتاب التوحيد ، باب العلم وكيفيّته والآيات . . . ، حديث 12 ، ج 4 ص 83 .